د. يحيي بن إبراهيم اليحيي / استقبال رمضان

image

د. يحيي بن إبراهيم اليحيي / استقبال رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم

إن مما ينبغي على المسلم الراجي عفو ربه ورحمته أن يتحرّى مواسم الخيرات من الأوقات المباركة، وقد أظلّنا شهر مبارك، نزل فيه القرآن هُدى للناس، وصيامه ركن من أركان دين الإسلام، فالموفّق فيه من نظر لنفسه وعمِل من الصالحات ما يصلح به حاله ومآله.

فمما يصلح به العقل التأمّل في كلام الحكماء والعلماء، لاسيما من كانوا في صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، والنظر في سيرهم وأحوالهم في المسارعة إلى الخيرات والتباعد عن سفاسف الأخلاق والأعمال.

ومما تصلح به النفس التوبة النصوح، وحمل النفس على الأوراد وتعويدها عليها، وكثرة قراءة القرآن والعناية به تلاوة وحفظا وتدبرًا وتعظيمًا وعملًا واستشفاء، وما تيسر من قيام الليل، واغتنام أوقات إجابة الدعاء بالتفرغ الحسي والمعنوي لمناجاة الله بحضور قلب وشدة افتقار وصدق لجوءٍ في الأسحار وعند الإفطار. وكذلك التقلُّل من الشواغل بالفراغ من حاجات البيت قبل حلول شهر رمضان ما استطاع؛ فإن من حيل الشياطين إخراج الناس من بيوت الله وهي خير البقاع إلى الأسواق وهي أبغض البقاع إلى الله، لتفسد قلوبهم وتمحق حسناتهم.

  ومما يصلح به الجسم تهيئة البدن بالتقليل من عادات الأكل والشرب؛ ليسهل عليه صوم النهار، ولنتأمل قول الشاعر الحكيم:

ننافس في طيب الطعام وكله     سواء إذا ما جاوز اللهوات

فتزويق الطعام وتعدد أصنافه أثره لحظات في اللهوات.

إن يقيننا ليتعرَّض في هذا الزمن لهزات وعواصف، ورمضان فرصة لتثبيت الإيمان واليقين وترسيخه وزيادته، فكن عاقلًا في التعامل مع  وسائل الاتصال (الواتس، والتويتر، والفيس بوك، واليوتيوب وغيرها). فالصوم جُنّة فلا تهتكها بمشاهدة ما لا يحل لك مشاهدته، أو سماع ما لا ينبغي لك سماعه، أو غيبة تخرق للصيام، وتحرق الحسنات؛ فمن أخطر مداخل الشيطان على الصائمين إفساد آثار صومهم ومحق حسناتهم بتهوين إطلاق النظر في الصور المحرمة في الأسواق والشاشات.

والأعمال تتفاوت بحسب حضور القلب وانتفاعه بها، فانظر أي الأعمال تجد حياة قلبك فيه فالزمه، فلا تحرص على مكان لا تجد قلبك فيه، واحذر أن تتحول عباداتك إلى عادات وتقليد.

والصيام ينبت شجرة التقوى في القلب، فاحرص على سقيها بتنويع الأعمال الصالحة، وإعداد برنامج ملائم لك ولأهل بيتك؛ للاستثمار الأمثل في رمضان، وتعويد الأطفال على الهمة العالية بالاستغناء عن الطعام ومشاركة الكبار في الصيام والتعود على الطاعات. واستغلال السحور في وقت السحر بالاستغفار؛ فأنت قدوتهم، وذكر أهل بيتك بقول الله تعالى (وبالأسحار هم يستغفرون) وبالنية باحتساب السنة في السحور وبأن في السحور بركة في كل شيء وفيه مخالفةٌ لأهل الكتاب، والتعرض لثناء الله وملائكته كما في الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).

ومن المهم التعرض للبركة فيما ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس بالاشتغال بالقرآن والدعاء والذكر. (بورك لأمتي في بكورها)

ومن تعظيم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تعظيم المصحف وإجلاله، قال الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز تعريض المصحف للإهانة، وأن من استخفَّ بالقرآن أو بالمصحف أو جحد شيئًا مما ورد فيه، أو حاول إهانته بأي فعل مهما كان كَفَرَ، والعياذ بالله.

يتعلم المسلم في رمضان أن الانتقال من حال إلى حالٍ أفضل سهلٌ، فيمكن ترك التدخين، وهجرُ مشاهدة ما يضر وما لا فائدة فيه أو سماعه، وهجرُ اللذات المحرمة، والتعوّدُ على قيام الليل.