د. يحيي بن إبراهيم اليحيي / كل في موقعه

image

د. يحيي بن إبراهيم اليحيي / كل في موقعه

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمة لا تزال ولودًا تحتوي على طاقات وقدرات فائقة، لو صرفت في مجالها السليم لأصلحت وأنتجت وأصبح لها تأثير عام، ولَمَا لعب بالمجتمع أربابُ الشهوات والشبهات، وإن مما يعين على تشغيل طاقات الصالحين في مجالات الخيرات وتجنيبهم التأنيب النفسي وجَلْد الذات قيامَ كل شخص بالعمل والإفادة والإصلاح والتصحيح من خلال موقع عمله، وفي ساعاته الرسمية فقط.

إن المراقب لأعمال كثير من أهل الخير في ميدان عملهم الرسمي قد لا يجد لهم تأثيرًا واضحًا وملموسًا، وإن وُجد لهم أثر فهو ضعيف لا يوازي تلك الساعات التي يقضونها من أفضل ساعات يومهم في ذلك العمل. فتجد المدرس الصالح في مدرسة تحتوي على مئات من الطلاب إلا أن ذهن صاحبنا مشغول بالتفكير في حلقات تحفيظ القرآن التي يشرف عليها في حيه، أو مندوبية دعوة يقوم على قسم من أقسامها قد أخذت عليه جميع أفكاره وآرائه وسيطرت على اهتماماته، ويواجه كثيرًا من اللوم والتأنيب من أصحابه المتعاون معهم بسبب إخلاله وتقصيره، لكن لا يجد أي لوم أو سؤال عن مدى تأثيره على عامة طلاب المدرسة الذين يقضي معهم جل وقته.

وتجد الطبيب يدخل عليه في عيادته عشرات المرضى من جميع شرائح المجتمع عدا المشاركين له في العمل، ولو فتشت عن قلبه لتأوّه من تقصيره في العطاء في مركز الدعوة أو برنامج الحي أو حتى مع أولاده، أما رسالته في وقته الكبير الذي يقضيه في عيادته فقد غابت عنه ونسيه في زحمة هذا اللوم والتأنيب، ولو أن أخانا أفاد من خلال عيادته ولو في الدعاء للمريض وسؤاله له: من الشافي؟ فسيجيبه إنه الله، فيسأله هل تشهد الصلاة مع الجماعة ... كيف تطلب الشفاء من الله وأنت لا تطيعه!، لو فعل ذلك لكان تأثيره وبناؤه يفوق كثيرًا من الدعاة والمصلحين المتفرِّغين لذلك.

وهكذا الموظف والعسكري والمهني والتاجر وغيرهم.

فهل من تجديد من خلال مواقعنا؟ وهل نتجه للعمل من مراكز تأثيرنا؟ وهل من إبداع وتجديد في وسائل الدعوة والتوجيه والإصلاح؟ إنني أجزم أن لو عدنا جميعًا للتوجيه والإصلاح من خلال عملنا الرسمي لتغيرت كثير من الأحوال، ولَشمَل التأثيرُ جميع طبقات المجتمع، ولَتوفَّر لدينا أوقات كبيرة لأولادنا ولأنفسنا.

إننا لا نطالب أي موظف بساعات عمل والمشاركة في البرامج الخيرية إذا استنفد وقته الرسمي في البرامج التوجيهية والإصلاحية.

إننا نشاهد عمليات القنص الكبرى لشبابنا وبناتنا من قبل دعاة الرذيلة والفساد، فهل عملنا مكافئ لها أو لا. إننا نملك من خلال مواقعنا لو فعَّلناها إمكاناتٍ ضخمة وساعات كثيرة في التوجيه والإصلاح نستطيع مزاحمة القناصين لمجتمعنا من أهل الشبهات والشهوات، بل نستطيع أن نتغلب عليهم بدرجات كبيرة. لكننا مع الأسف دائمًا نندب حظنا ونفرغ جامَّ غضبنا في سبّ أهل الفساد والرذيلة فنُصبح نحن وإياهم كما قال القائل: أوسعتهم شتمًا وساروا بالإبل.

فهل من عودةٍ إلى العمل وأن لا نكتفيَ بخطابات وبرقيات الاستنكار؟!